مركز التحقيقات والدراسات العلمية في المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية
360
موسوعه أصول الفقه المقارن
تأريخ الاستفتاء يرجع تأريخ الاستفتاء إلى بدايات ظهور التشريع الإسلامي ، فقد كان المسلمون الأوائل يستفتون النبيّ صلى الله عليه وآله في مسائل تتعلق بحياتهم وأمور معاشهم ، وقد أمر سبحانه بإرجاع الأمر إليه : « فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا » « 1 » . فكانوا يسألونه ويستفتونه في كلّ شيء « فكلما وقعت حادثة تتطلب حكماً لجأ الصحابة إلى رسول اللَّه ؛ باعتباره المرجع الوحيد لهم يسألونه البيان ، فإذا لم يكن عنده حكمها تطلّع إلى السماء ، فيأتيه الوحي تارةً بآية أو آيات من القرآن الكريم فيها جواب سؤالهم ، وطوراً ينزل بغير قرآن يبيّن الجواب ويترك له التعبير عنه ، وهو ما عرف بالسنّة » « 2 » . و « إذا عرض لهم أمر يقتضي بيان الحكم رجعوا إلى النبيّ صلى الله عليه وآله ، فيفتيهم تارةً بالآية أو الآيات ينزل عليه الوحي بها من عند اللَّه ، وتارةً بالحديث » « 3 » . حتى أنّ القرآن الكريم في كثير من الأحيان كان ينزل جواباً لسؤال أو ردّاً على استفتاء . وقد أخبر عن ذلك بقوله : « يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ » « 4 » وقوله تعالى : « يَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ . . . » « 5 » ، وقوله تعالى : « يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ . . . » « 6 » ، وقوله تعالى : « يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما » « 7 » ، وقوله تعالى : « وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ » « 8 » . إلى غير ذلك من الآيات التي تتعرّض لبعض الأحكام في معرض الجواب عن سؤال وجّه إليه صلى الله عليه وآله أو حادثة استفتي فيها . وشأن السنّة في ذلك شأن القرآن ، فكان صلى الله عليه وآله يجيب ويحدّث بأمور بعد أن يستفتى أو يسأل عنها « 9 » . ولم يكن هذا الأمر خاصّاً بعصر النبي صلى الله عليه وآله بل امتد إلى مختلف العصور والأزمان ، فكان الناس يستفتون من هم أهلًا للإفتاء في شؤون دنياهم وآخرتهم ، وخصوصاً فيما يتعلّق بالمسائل المستجدّة والأمور الحادثة في كلّ عصر . ثانياً : الألفاظ ذات الصلة أ - التقليد : « العمل بقول الغير من غير حجّة ملزمة » « 10 » ، أو « العمل اعتماداً على رأي الغير » « 11 » . ويبدو أن الفرق بين التقليد والاستفتاء هو : أنّ الأول يتضمّن العمل بقول وفتوى المجتهد ؛ ولذلك جاء في تعريفه قيد « العمل » ، وأمّا الاستفتاء ، فهو في حدّ نفسه طلب الفتوى واستبيان الحكم الشرعي من المجتهد وإن كان قد يستتبع العمل فيما بعد . ( تقليد )
--> ( 1 ) . النساء : 59 . ( 2 ) . المدخل في التعريف بالفقه الإسلامي : 74 - 75 . ( 3 ) . تأريخ الفقه الإسلامي ( السايس ) : 15 . ( 4 ) . النساء : 176 . ( 5 ) . البقرة : 215 . ( 6 ) . البقرة : 217 . ( 7 ) . البقرة : 219 . ( 8 ) . النساء : 127 . ( 9 ) . راجع : المدخل في التعريف بالفقه الإسلامي : 75 - 76 ، تأريخ الفقه الإسلامي ( السايس ) : 19 ، الفكر السامي 1 : 27 - 28 . ( 10 ) . الإحكام ( الآمدي ) 3 - 4 : 445 . ( 11 ) . مستمسك العروة الوثقى 1 : 12 .